محمد بن جرير الطبري

452

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فهو في معنى : حتى إذا علموا أن ليس وجه إلا الذي رأوا وانتهى علمهم ، فكان ما سواه يأسا . ( 1 ) * * * وأما أهل التأويل فإنهم تأولوا ذلك بمعنى : أفلم يعلَم ويتبيَّن . * ذكر من قال ذلك 20408 - حدثني يعقوب قال : حدثنا هشيم ، عن أبي إسحاق الكوفي ، عن [ مولى مولى بحير ] أن عليًّا رضي الله عنه كان يقرأ : " أَفَلَمْ يَتَبيَّنِ الَّذِينَ آمنُوا " . ( 2 ) 20409 - حدثنا الحسن بن محمد قال : حدثنا عبد الوهاب ، عن هارون ، عن حنظلة ، عن شهر بن حوشب ، عن ابن عباس : ( أفلم ييأس ) يقول : أفلم يتبيّن . 20410 - حدثنا أحمد بن يوسف قال : حدثنا القاسم قال : حدثنا يزيد ، عن جرير بن حازم ، عن الزبير بن الخِرِّيت = أو يعلى بن حكيم = ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أنه كان يقرؤها : " أَفَلَمْ يَتَبيَّنِ الَّذِينَ آمنُوا " ؛ قال : كتب الكاتب الأخرى وهو ناعسٌ . ( 3 )

--> ( 1 ) في معاني القرآن : " فكان ما وراءه يأسا " ، وهو جيد . ( 2 ) الأثر : 20408 - " أبو إسحاق الكوفي " ، هو " عبد الله بن ميسرة " ، ضعيف واهي الحديث ، ووثقه ابن حبان ، مضى برقم : 6920 ، 13489 ، 20078 ، وكان هشيم يكنيه بابن له يقال له " إسحاق " ، وكنيته " أبو ليلى " وهشيم يدلس بهذه الكنية . وكان في المخطوطة " ابن إسحاق الكوفي " ، وهو خطأ صرف . وأما الذي بين القوسين ، فهو هكذا جاء في المخطوطة ، وجعل مكانه في المطبوعة : " عن مولى يخبر " ، تصرف في الإسناد أسوأ التصرف وأشنعه . وهذا الذي بين القوسين ربما قرئ آخره : " مولى بحتر " ، وقد استوعبت ما في تهذيب الكمال للحافظ المزي ، في باب من روى عن " علي بن أبي طالب " ، وباب من روى عنه " أبو إسحاق الكوفي " ، فلم أجد شيئًا قريب التحريف من هذا الذي عندنا . ومهما يكن من شيء ، فحسب هذا الإسناد وهاء أن يكون فيه " أبو سحاق الكوفي " ، ثم انظر التعليق على الأثر التالي رقم : 20410 . وكان في المطبوعة : " كان يقول " مكان : " كان يقرأ " ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، لأن الناسخ كتب " يقول " ثم جعل الواو " راء " ، وأدخل الألف في اللام ، ووضع عليها الهمزة ، فاختلط الأمر على الناشر . ( 3 ) الأثر : 20410 - " أحمد بن يوسف التغلبي الأحول " ، شيخ أبي جعفر الطبري ، هو صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام ، مشهور بصحبته ، ثقة مأمون ، مضى مرارًا آخرها رقم : 12994 وهو الذي أخذ عنه أبو جعفر الطبري كتب أبي عبيد القاسم بن سلام . و " القاسم " ، هو " القاسم بن سلام " ، " أبو عبيد " ، الفقيه القاضي ، صاحب التصانيف المشهورة ، كان إمام دهره في جميع العلوم ، وهو صاحب سنة ، ثقة مأمون ، وثناء الأئمة عليه ثناء لا يدرك . و " يزيد " ، هو " يزيد بن هارون السلمي " ، وهو أحد الحفاظ الثقات الأثبات المشاهير ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا آخرها رقم : 10484 . و " جرير " هو " جرير بن حازم الأزدي " ، ثقة حافظ ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا آخرها رقم : 14157 . و " الزبير بن الخريت " . ثقة ، روى له الجماعة سوى النسائي ، مضى برقم : 4985 ، 11693 ، وكان في المطبوعة : " الزبير بن الحارث " ، غير ما في المخطوطة مجازفة . و " يعلي بن حكيم " ، ثقة ، روى له الجماعة سوى الترمذي ، مضى برقم : 12748 . فهذا خبر رجاله ثقات ، بل كل رجاله رجال الصحيحين ، سوى أبي عبيد القاسم بن سلام ، وهو أمام ثقة صدوق ، فإسناده صحيح ، لا مطعن فيه - ومع صحة إسناده لم أجد أحدًا من أصحاب الدواوين الكبار ، كأحمد في مسنده ، أو الحاكم في المستدرك ، ولا أحدًا ممن نقل عن الدواوين الكبار ، كالهيثمي في مجمع الزوائد ، أخرج هذا الخبر أو أشار إلى هذه القراءة عن ابن عباس ، أو علي بن أبي طالب ، كما جاء في الخبر الذي قبله رقم : 20408 ، بل أعجب من ذلك أن ابن كثير ، وهو المتعقب أحاديث أبي جعفر في التفسير ، لما بلغ تفسير هذه الآية ، لم يفعل سوى أن أشار إلى قراءة ابن عباس ، وأغفل هذا الخبر إغفالًا على غير عادته ، وأكبر ظني أن ابن كثير عرف صحة إسناده ، ولكنه أنكر ظاهر معناه إنكارًا حمله على السكوت عنه ، وكان خليقًا أن يذكره ويصفه بالغرابة أو النكارة ، ولكنه لم يفعل ، لأنه فيما أظن قد تحير في صحة إسناده ، مع نكارة ما يدل عليه ظاهر لفظه . وزاد هذا الظاهر نكارة عنده ، ما قاله المفسرون قبله في هذا الخبر عن ابن عباس ، حين رووه غير مسند بألفاظ غير هذه الألفاظ . فلما رأيت ذلك من فعل ابن كثير وغيره ، تتبعت ما نقله الناقلون من ألفاظ الخبر ، فوجدت بين ألفاظ الخبر التي رويت غير مسندة ، وبين لفظ أبي جعفر المسند ، فرقًا يلوح علانية ، وألفاظهم هذه هي التي دعت كثيرًا من الأئمة يقولون في الخبر مقالة سيئة ، بلغت مبلغ الطعن في قائله بأنه زنديق ملحد ! ونعم ، فإنه لحق ما قالوه في الخبر الذي رووه بألفاظهم ، أما لفظ أبي جعفر هذا ، وإن كان ظاهره مشكلا ، فإن دراسته على الوجه الذي ينبغي أن يدرس به ، تزيل عنه قتام المعنى الفاسد الذي يبتدر المرء عند أول تلاوته . فلما شرعت في دراسته من جميع وجوه الدراسة ، انفتح لي باب عظيم من القول في هذا الخبر وأشباهه ، من مثل قول عائشة أم المؤمنين : " يا ابن أخي ، أخطأ الكاتب " ، أي ما كتب في المصحف الإمام ، ومعاذ الله أن يكون ذلك ظاهر لفظ حديثها . وهذان الخبران وأشباه لهما يتخذهما المستشرقون وبطانتهم ممن ينتسبون إلى أهل الإسلام ، مدرجة للطعن في القرآن . أو تسويلا للتلبيس على من لا علم عنده بتنزيل القرآن العظيم ، فاقتضاني الأمر أن أكتب رسالة جامعة في بيان معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآن على سبعة أحرف " ، وكيف كانت هذه الأحرف السبعة وما الذي بقي عندنا منها ، وانتهيت إلى أنها بحمد الله باقية بجميعها في قراءات القراءة ، وفي شاذ القراءة ، وفي رواية الحروف ، لا كما ذهب إليه أبو جعفر الطبري في مقدمة تفسيره ( 1 : 55 - 59 ) ، ومن ذهب في ذلك مذهبه . ثم بينت ما كان من أمر كتابة المصحف على عهد أبي بكر ، ثم كتابة المصحف الإمام على عهد عثمان رضي الله عنهما ، وجعلت ذلك بيانًا شافيًا كافيًا بإذن الله . وكنت على نية جعل هذه الرسالة مقدمة للجزء السادس عشر من تفسير أبي جعفر ولكنها طالت حتى بلغت أن تكون كتابًا ، فآثرت أن أفردها كتابًا يطبع على حدته إن شاء الله .